عثمان العمير: أنا كالقبطان آخر من يغادر السفينة

إشكالي حيثما حل… لم يخالف التوقعات هذه المرة أيضاً. هكذا كان حال عثمان العمير في توصيف الصحافي الذي فيه خلال حديث لبرنامج "بالمختصر" على شاشة أم بي سي، وفي إلقاء اللوم في خيبة الثورات العربية على طبقة وسطى لم تثر، تاركة الساحة للغوغاء والأحزاب.

إيلاف: صحافي لا يشق له غبار... هكذا بدأ ياسر العمرو، مضيف برنامج «بالمختصر» على شاشة «أم بي سي»، تعريفه بالعمير، رئيس تحرير «إيلاف» وناشرها، قبل أن يعبر عن حيرته إزاء ضيف جمع الصحافة والأعمال، فزاوج بينهما، لذا فالمحاور - على ما قال العمرو - يشعر بحيرة في التعريف بضيفه، «وأنا وقعت في هذا الفخ أثناء التعريف بك، لا أدري هل أنا أعرف بالعمل الذي زاولته على مدار 40 سنة وأكثر بصفتك صحافيًا أم بالشكل الجديد المرسوم لمتابعيك وعموم الناس كرجل أعمال، فماذا تحب أكثر الصحافي أم رجل الأعمال؟».

السؤال الأول دائمًا

إنه السؤال الذي يهوى العمير الجواب عنه. قال: «طبعًا ما من شك في أن لا يتخلى أحد عن مهنته، وعن مهنة الصحافة خصوصًا، فالصحافة التي لا مثيل لها، سواءً في الإثارة أو في الإحساس بقيمة العمل، وقيمة الاسم، فصفة رجل الأعمال حقيقةً أطلقت عليّ زورًا، لأني دائمًا أخفيها في داخلي، فلا أريد أن أظهرها، ولا مشكلة عندي مع أي مسمى، وإن كنت أفضل أن أموت صحافيًا كما عشت. يمكن للصحافي أن يكون رجل أعمال، وهذا يعتمد على المهمة التي يقوم بها، فعندما كنت صحافيًا، مارست مهمات تابعة لشركات، ولم امتهن الأعمال لكن عمل التجارة مكون أساسي من مكوننا».

لا يخفي العمير في أي لحظة حنينه إلى بلاط صاحبة الجلالة، فهو يعمل بعدُ، ويقرأ ويمضي أكثر من 3 أو 4 ساعات، «أحيانًا 6 ساعات في متابعة الصحافة ومتابعة العمل... صحيح مللت، لكنني أعمل».

لا زعل كويتي

ينفي العمير أي «زعل» بين الكويتيين والسعوديين في شأن المشاركة الكويتية الصامتة في حرب اليمن، «لكن العتب يختلف عن الزعل، فهم سمعوا بعض الأصوات خارج الإدارة السعودية تتكلم عن الكويت… تسأل أين الكويت وأين مساهمة الكويت؟ فهذا يترك إحساسًا بالعتب من جانب دولة بادرت، لكن لها وضعها الخاص، كما لكل دولة خليجية وضعها الخاص، فالكويت دولة صغيرة تجاور دولاً كبيرة، لها ارتباطاتها الداخلية والخارجية التي لا تستطيع فيها أن تعلن كل ما تريد»، مضيفًا أن جمال الصيغة الخليجية تكمن في الاستقلالية والتنوع، أي لا يمكن أن تطلب من دولة أن تقدم طبقًا تقدمه دولة أخرى، وإن الكويتيين لا يريدون الضجيج الاعلامي، وهذا ما أخبر عنه العمير في مقالته الأخيرة المنشورة في «إيلاف» عن زيارته الكويتية.

 

يضيف أن ليس كل سعودي يتكلم يمثل السعوديين أو الإعلام السعودي، «فهناك محطات بالعشرات أو المئات، وهناك الآلاف من الإشارات الالكترونية، وكذلك الأصوات التي تخرج في تويتر وفي فايسبوك، فأنا لا أعتقد أن هناك شيئًا اسمه عتب على الاعلام السعودي الموحد بل على بعض الاصوات السعودية التي لم تكن تعرف مدى مساهمة الكويت في حرب الخليج».

السكون

ما أراد العمير التعمق في الاجابة عن سؤال العمرو عما حكي عن وساطة أداها بين الملك السعودي الراحل فهد بن عبد العزيز والمعارضة الشيعية السعودية في الخارج. قال إن الصحافي عادة، لا يقوم بأدوار سياسية، «قد يطلب منه أداء هذا الدور، لكنه يعود إلى قاعدته كصحافي، وما استطيع قوله هو إن الملك فهد كان لماعًا ولماحًا في هذا الموضوع، وهو من عمل على كل هذه الصيغة التي مكنت اخواننا الذين كانوا في الخارج من العودة إلى المملكة والعيش وفق الصيغة الاجتماعية والسياسية الموجودة في البلاد».

وإذ لفت العمرو إلى أن الآخرين تحدثوا عن هذا الدور، قال: «دعهم يتحدثون عني، فأنا احترم رواياتهم، وأعرف ان بعضها صحيح وبعضها... لا اعرف، لأنني لم اتابع كثيرًا هذه الاشياء».

حالة السكون هي مقتضيات المرحلة في منظور العمير، أو «حالة التفرج إن صح التعبير، لأن الأحداث تمر أحيانًا بسرعة فلا تستطيع أن تلتقطها دفعة واحدة، وفي الوقت نفسه تريد أن تستكمل الصورة كأنك تشاهد فيلمًا، فأنا الآن أحيا أفلامًا، أرى فيلمًا في الشرق وفيلمًا في الغرب، في الكاميرون فيلم، وفي ايران فيلم، وفي اليمن فيلم». يضيف: «جميل أن أصمت. فهناك ناس لديهم رغبة في الكلام».

العمير يعشق فيلم المستقبل، فليست لديه حساسية تجاه الغد، بل رغبة في ان يحيا فيه، «فلست مشغولًا بالماضي ولست ارتاح في الحديث عن الماضي أو ما يسمى بالحنين إلى الماضي، وأنا فخور بكل ما عملته، لكن في الوقت نفسه لست آسفًا عليه ولست أحن اليه».

الظهر ضروري

يعترف العمير بأن الصحافي السعودي لا يستطيع أن يبدع الا اذا كان وراءه «ظهر»، لكنه يقول إن ذلك لا يقتصر على الصحافي السعودي، فالأمر نفسه موجود في اميركا واوروبا، «حيث لا يمكن أن تخرج إلى الشارع وتقول أريد أن اصبح مشهورًا أو أن اصبح صحافيًا، وأعتقد أن الظهر أو السند ليس عيبًا إنما العيب أن يكون الظهر مكسورًا، واذا كان الظهر إيجابيًا فاعتقد انه مهم جدًا أن يكون لديك ناس يؤيدونك ويقفون معك». وفي سياق هذا الكلام، سأله

عمرو: «ما الخطأ الذي ارتكبته حتى تتم حمايتك؟».

 

أجابه العمير: «الخطأ أنني صحافي، والصحافي يخطئ، تصور أنك صحافي تعيش حياة... ليست للصحافي حياة زوجية سعيدة، هي مجموعة من المغامرات والتجارب مجموعة من الكفاح ومجموعة من الاخطاء. كنت أقول لهم حين يسألونني لست رئيسًا للتحرير بل أنا رئيس للتبرير، فكلما أصبح الصباح وجدت اتصالين غاضبين أو ثلاثة، فتضطر إلى أن تبرر (...)، وأنا غرقت في حل المشكلات أكثر مما غرقت في عملية الابداع في الكتابة، وهذه مشكلة البيروقراطية في العالم العربي، يعتقدون أن شغل الصحافي او الوزير الشاغل هو تبرير اخطاء الناس. الملك فهد كان قارئًا جيدًا ومتابعًا جيدًا وملاحظًا جيدًا، كان يعرف العناوين والحيل الصحافية وحيلة الخبر ولماذا ينشر بهذا الشكل، كذلك الملك سلمان، فما من شك أنه كان حاضرًا في الإعلام العربي عمومًا، وليس فقط معي انا. كان متابعًا ملحًا يقرأ كل حرف في الموضوع».

القبطان العمير

يعرّف العمير وظيفة رئيس التحرير بأنها تشبه وظيفة ربان سفينة، فيجب أن يكون آخر من يغادرون السفينة، «فإذا خرج حوكم وأعدم في العهود القديمة، وحتى في السفينة السياحية الإيطالية التي غرقت بالسياح أخيرًا، عندما هرب القبطان الايطالي اعتقلوه، وهو مسجون اليوم. اعتقد أن ما يدفع برئيس إلى اتهام المحرر أو تحميله أي مسؤولية هو خطأ تمامًا، وقد عانيت هذه المشكلة كثيرًا. لا أريد أن اتحدث عن نفسي، لو تسأل من عمل معي، كنا فعلًا مكونًا نؤمن الحماية لبعضنا البعض، ففي المشكلة مع حسني مبارك وابنائه (حين نشر تقريرًا عن أولاد مبارك أغضبه فحوكم غيابيًا وحكم عليه بالسجن عامين)، تحملت المسؤولية في الدفاع لمجرد أني اقترحت الحديث عن الموضوع، وصدر بحقي حكم قضائي لسنتين غيابيًا، وذهبت لاحقًا وقابلت جمال مبارك وكان معنا الصحافي الاستاذ محمد علي حافظ، وتمت المصالحة ورفعوا الحكم».

يؤكد العمير أن العلاقة بين الناشر ورئيس التحرير يجب أن تكون مبنية على الاحترام المهني، «فعندما يكون هناك احترام مهني تكون كل الاشياء قادرة على التكيّف، كان بيني وبين الناشرين احترام مهني، كنت اعلم قيمتهم واستاذيتهم والدور الذي يلعبونه في الاعلام العربي عمومًا واعلام الشرق الاوسط، وكانوا يعرفون انني مشاكس، لا يحبونني، لكنهم كانوا يعرفون انني ألتقي معهم في ساحة المهنة».

عادة مستمرة

للعمير عادة حين يكون في لندن، «وهي أن تأتيني 4 صحف انكليزية متنوعة الاتجاهات، فيها اليمين واليسار وفيها المعتدل وفيها الفضائحي، لكني أكون قد قرأتها مسبقًا في الليل على الانترنت، لكن كرجل يعمل في المهنة، يهمني أن افتح الجريدة واتصفح التصميم».

يسأله العمرو: «متى كانت آخر مرة اشتريت فيها جريدة، واعذرني على السؤال، دفعت ريالين او ما يقابلها واشتريت جريدة ورقية من بقال أو من سوبر ماركت؟» يجيبه العمير أنه لا يذكر أنه اشترى يومًا جريدة غير التي تأتيه إلى البيت، عندما آتي الى المغرب، يرسل إليّ الاخوان (الزملاء) صحفهم فأقرأها لأني أكون قد غبت عن المشهد المغربي فترة طويلة. أحيانًا أقرأها في الطائرة لكنني لا أذكر انني ذهبت بنفسي، كما كنت أفعل، إلى كوينز لأشتري صحفًا».

يعتقد العمير أن صحافة الورق انتهت، وهي تصدر اليوم لمجرد إرضاء رغبات المالكين، «فمثلًا لدينا في الخليج كثير ممن يملكون خيولًا ولا يستخدمونها، كذلك هناك من يملكون صحفًا، وإلا كيف تفسر لي أن في الخليج اكثر من 500 صحيفة»، ويسأل لماذا في السعودية 15 صحيفة بينما في بريطانيا، وتعدادها أكثر من 64 مليونًا، اقل من 18 صحيفة يومية؟

 

فشل الثورات

يصف العمير مناخ الحريات في المملكة بـ «المقبول»، ويصف الخطوات المتسرعة الراهنة بأنه ثمن تدفعه الثورات المفاجئة، «كما الثورات التكنولوجية فلم نكن نعرفها ولم نتوقع أن تصل إلى هذا الحجم، فعندما وصلت علينا استقبالها بهدوء لا نستطيع منعها وكل القوانين الفاشلة التي حاولت تطبيقها بعض الحكومات فشلت في منع الحرية ومنع تسرب أي خبر، فغوغل سيطيّر بعد سنتين 500 منطاد في سماء الكرة الارضية فيتلقى المتلقي كل ما يريد أن يراه ويسمعه في الفضاء، اذًا هي ثورة باختصار شديد، بغض النظر عن طريقة التعاطي معها، هي ثورة، والثورات عادة تعقبها الفوضى، ثم يأتي من يقننها».

يعتقد العمير أن تجربة ثورة الياسمين التونسية مقبولة إلى حد ما، «فالبلد لن ينهار كما سوريا أو بعض الدول الاخرى، ما زال هناك خطاب بين الفرقاء، فتونس وضعها مختلف لقربها من اوروبا ولصغر مساحتها وقلة عدد شعبها ولقدرتها على فهم فلسفة الحبيب بورقيبة الذي أسدى لتونس خدمة من أكبر الخدمات في التاريخ، هي إعداد الشعب التونسي لمستقبل افضل».

عدا تونس، لم يرَ العمير شيئًا ناجحًا في تجربة الثورات، «فلم تقم بها الطبقة التي كان يجب أن تقوم بها، أي الطبقة الوسطى، بل قامت بها مجموعة من الغوغاء واستثمرتها في ما بعد احزاب وجهات معينة وركبت عليها واخذتها، فثورة مصر كانت ثورة شباب جميلة، كان الاخوان بعيدين عن الصورة يتهربون من المسؤولية، وعندما اتضحت الامور قفزوا على السلطة».

الاقصاء غير صحي

يعتقد العمير أن الاخوان المسلمين أقوى تكوين منظم في الشرق الاوسط، «فأنت تتكلم عن ستة عقود من التنظيم، والاخوان حزب يملك رؤى تغري الجماهير، منسجم مع طبيعة المجتمعات، ليس طارئًا مثل الاشتراكيين او الشيوعيين او مثلنا نحن الليبراليين، فقلة ترحّب بطروحاتنا، وعلينا أن نعترف بوجودهم ونحاول أن نتفاهم معهم».

يضيف: «أرى التجربة المغربية رائعة في ما يتعلق بتقديم السلطة للاتجاه الاسلامي كي يبرز، وما دام لديه برنامج فليطرحه، في النهاية هناك اختبار، وهناك صناديق انتخابات، شرط الا يستولي هذا الاتجاه على السلطة كما فعل الاخوان في مصر، وألا يحاولوا تحويلها من دكتاتورية عسكرية إلى دكتاتورية اسلامية».

وعن اتهام الاخوان بالتحريض، يقول العمير: «التحريض شيء نسبي، أنا أحيا في بريطانيا وأرى كيف انه مجتمع متصالح مع نفسه، وهناك اناس يرفضون الملكية اساسًا، فرئيس حزب العمال رفض الانحناء للملكة، لم يسجنوه، اعتبروا ذلك امرًا غير صحيح. اعتقد أن إلغاء الناس غير صحي في مجتمعات تبحث عن شيء صحي».

الهلاليون غسلوا دماغي

يستذكر العمير ماضيه في مدينة الزلفي في المملكة، يقول: «ماضيك ممسوح، أين المدرسة التي درست فيها؟ راحت... في المدينة، البيت الذي كنت أقيم فيه اقيم فوقه فندق، فعندما أتيت شعرت بالالم، لا شيء أراه في المدينة أتذكره، ما عدا المسجد النبوي».

يعتقد العمير أنه لو أعيد تركيب الماضي من جديد، لابقى المسؤولون على الاماكن القديمة كما هي، وبنوا مدنًا خارج النطاق الموجود، «فالرياض كان فيها جمال في الداخل والمدينة أيضا كانت من اجمل مدن العالم، وفيها فن وتألق والآن العمران راح، فكيف تريد أن يذهب الانسان ليستعيد ذاكرة ليست موجودة أساسًا، هذا هو ربما سبب هروبي من الماضي».

كان العمير يشجع نادي الاتحاد، اكبر فريق في الغربية، «لكن عندما اتيت إلى الرياض اخضعني الهلاليون للمناصحة فأصبحت هلاليًا، والا كنت موزعًا، كان هناك فريق اسمه الشباب وآخر النجمة، والرياض، لكنّ الهلاليين نجحوا في أن يغسلوا دماغي وصرت هلاليًا، وعندما انتقلت إلى لندن ابتعدت، لم اعد اتابع الكرة السعودية». ويصر العمير على تشجيع كرة القدم كي تكون جزءًا لا يتجزأ من مناهج التعليم.

لا تلغوا الموسيقى

يحتفظ العمير بزي وطني سعودي، بثوب أبيض وبشماغ وبغطرة، لكن لا صورة له بهذا الزي، بل يرتديه عندما يذهب إلى الرياض. فهو يعتقد أن الزي مجرد ذوق واختيار لا يشكل «الشخصية».

وإذ ينظر مع العمرو إلى صورة تجمعه بالملك سلمان، وحوله آخرون بالثوب السعودي، إلا هو، يقول: «هذه في لندن لأنني أرتاح بلباسي هذا، استطيع أن اختار وفقه الملابس التي أريدها، الازياء الخليجية لدينا كلها واحد، الشماغ هو الشماغ والغطرة هي الغطرة، في حين أن الزي الاجنبي يمنحك مساحة من الاختيار ومن التنوع»، والعمير يحب التنوع جدًا، إلى درجة كبيرة... كما يهوى الموسيقى الكلاسيكية، وهو سمع «الشيلات» مرة أو مرتين، «وأنا متألم لوجودها لأنها عودة إلى الوراء، إلى رفض الموسيقى، فالموسيقى عندنا مهمة جدًا، لكن الشيلات نوع متأخر ومتخلف من الذائقة الموسيقية، ألغوا الموسيقى وألغوا الآلات، واصبح بإمكان كل من لديه صوت فقط أن يؤديها كما أن إيقاعها واحد ولا تنوع فيها»، مؤكدًا إن إلغاء محمد عبده وطلال المداح وطارق عبدالحكيم هو إلغاء لكل العمالقة الذين زرعوا الذائقة الموسيقية في عالمنا.

لمشاهدة المقابلة:

https://shahid.mbc.net/ar/episode/131013/بالمختصر-الموسم-1-الحلقة-4.html

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق قراء إيلاف: لا خطط إقليمية واضحة لما بعد داعش
التالى الموت يهدد حياة 20 ألف عراقي يحاصرهم داعش