«اغضب للأقصى».. جمعة نفير المقدسيين

«اغضب للأقصى».. جمعة نفير المقدسيين
«اغضب للأقصى».. جمعة نفير المقدسيين

"اغضب للأقصى".. شعارٌ يُفترض أن يلف العالم العربي كله، لا يقتصر فقط على المقدسيين، بل لكل من يدافع عن كرامة البيت الذي لا يمكن لصاحبه أن يسمح لمحتل بأن ينتهكه كما يفعل الاحتلال.

يحتشد المقدسيون عند الأقصى من ستة أيام، منذ قرر الاحتلال غلق "الأقصى" أمام صلاة الجمعة للمرة الأولى منذ 1969، فانتفضوا بقوة الحق والحقيقة ضد الانتهاكات، ومن ورائهم شعوب عربية داعمة، وقادة ينتظر تحركٌ منهم يتخطى بيانات الشجب والإدانة، وفي أقصى حالاته التحذير.

يستعد الفلسطينيون اليوم لـ"جمعة الغضب" احتجاجًا على المحاولات الإسرائيلية لتغيير الوضع القائم بالمسجد الأقصى، من خلال نصب البوابات الإلكترونية لتفتيش المصلين لدى دخولهم للمسجد المبارك، في سابقة خطيرة تشكّل مسًا بحرية العبادة لدى المسلمين.

 الاحتلال منع الصلاة في المسجد بدءًا من الجمعة، قبل أن يعيد فتحه جزئيًّا أمس الأول الأحد، لكنه اشترط على المصلين والموظفين الدخول عبر بوابات تفتيش إلكترونية، وهو ما رفضه الفلسطينيون.

 منتصف شهر يوليو الجاري، أفاق الفلسطينيون على إغلاق المسجد الأقصى ومنع الصلاة فيه للمرة الأولى منذ عام 1967، بعد عملية نفذها شبان فلسطينيون أدت إلى استشهادهم ومقتل اثنين من أفراد الشرطة الإسرائيلية، لتبدأ بعدها موجة غضب عارمة في الأراضي المقدسة.

وعقب "عملية الأقصى" حوّلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مدينة القدس المحتلة وبلدتها القديمة إلى ثكنة عسكرية، وأغلق جنود الاحتلال مداخل البلدة القديمة، ومنعوا المواطنين من الدخول أو الخروج، ووضعوا الحواجز الحديدية على محيط أبواب البلدة القديمة، وسط توتّر شديد ساد شوارع المدينة وأزقّتها.

هذا التوتر خلّف موجة غضب وضعت "إسرائيل" أمام حالة من السخط الشعبي والدولي، سرعان ما امتدت إلى مناطق مختلفة من الأراضي الفلسطينية، في وقت دانت فيه مؤسسات إسلامية عربية ودولية قرار إغلاق المسجد الأقصى، وهو ما دفع الاحتلال إلى إعادة فتحه بعد يومين من إغلاقه.

 على مدار أيام أعقبت إغلاق المسجد تواصلت الدعوات والمطالبات للفلسطينيين والمقدسيين بالتحرّك العاجل نحو المسجد الأقصى والرباط فيه، والصلاة داخل باحاته، أو على الحواجز التي ينصبها الاحتلال، رغم القرار الذي صدر بمنع الصلاة بالمسجد الأقصى، وهو ما حدث بالفعل.

تزايد أعداد المعتصمين واحتمالية تصاعد الأوضاع الأمنية، أخذتها إسرائيل في الحسبان، وسارعت إلى عقد مشاورات هاتفية مع أعضاء الكنسيت وقادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، للنظر في الأوضاع التي تشهدها المدينة المقدسة.

حالة التخبط في القرار الإسرائيلي بشأن ما يجري بالمسجد الأقصى عكسه التضارب داخل المجتمع المؤسساتي الإسرائيلي، وهو ما دفع رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، إلى الإسراع بعقد مشاورات بشأن البوابات الإلكترونية التي وضعت على أبواب المسجد.

رئيس لجنة القدس، عضو الكنيست أحمد الطيبي قال إن فلسطينيي الداخل سيشاركون في التعبير عن غضبهم تجاه الإجراءات المقيدة لحرية العبادة في المسجد الاقصى والتي تمس بالوضع التاريخي للمسجد الأقصى.

وأضاف لـ"القدس العربي" أنّ أي محاولة لتعزيز السيطرة على المسجد الأقصى مرفوضة، ومن شأنها أن تزيد من حالة الغضب والتوتر وعدم الاستقرار.

وحمّل الطيبي، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مسؤولية ما يجري من تصعيد لصرف الأنظار عن مشكلاته الداخلية التي يواجهها، مشيرًا إلى أنه في حال استمر الوضع على ما هو عليه، فإنّ ذلك من شأنه أن يفجر الوضع.

وتابع: "فلسطينيو الداخل وأعضاء الكنيست العرب ومختلف القوى متواجدون بالقدس وسيبقون في القدس حتى يتم إزالة البوابات الإلكترونية وكل الإجراءات المقيدة لحرية العبادة في المسجد".

الناشط المقدسي خضر الدبس صرح بأن المقدسيين سيتوجهون الجمعة إلى المسجد الأقصى بقرار شعبي، ودون توجيه من أحد، للتعبير عن رفضهم للبوابات أمام الأقصى، مشيرًا إلى أن هناك قرارًا موحدًا مدعومًا من المرجعيات الدينية بعدم المرور بتلك البوابات للصلاة، وأن الحراك السلمي لن يتوقف حتى يتم إزالة البوابات.

ودعت حركتا فتح وحماس الجماهير الفلسطينية والعربية والإسلامية للخروج بمسيرات غضب واحتجاج ضد الإجراءات الإسرائيلية، حيث وزعت أقاليم الحركة في مختلف المناطق دعوات للتظاهر والاحتجاج، بينما دعا رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية في كلمة له الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية "للنفير العام"، الجمعة.

ومن المتوقع أن تشهد الأردن وبعض العواصم العربية والإسلامية مسيرات تضامن مع المسجد الأقصى عقب صلاة الجمعة.

الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات الدكتور حنا عيسى أشار إلى أنَّ المسيحيين والمسلمين يقفون جنبًا إلى جنب في مواجهة تهويد المسجد الأقصى، مشددًا أن تلك الإجراءات تستهدف المقدسات الإسلامية والمسيحية على السواء.

وأوضح عيسى أنّ الحراك المتنامي من شأنه أن يكسر الخطط الاسرائيلية والبوابات التي وضعت من أجل فرض السيادة الإسرائيلية على المسجد، وفرض التقسيم الزماني والمكاني، وتحويل الصراع من صراع سياسي وحقوقي إلى صراع ديني.

من جهته، أوضح ممثل منظمة التعاون الإسلامي لدى دولة فلسطين السفير أحمد الرويضي أنّ ما يحدث ما هو إلا محاولة إسرائيلية لتغيير الوضع التاريخي القائم بالمسجد الأقصى، وأنّ ذلك أمر مبيّت ومخطط له بشكل مسبق، حيث هناك خطة لتقليص وإلغاء دور الأوقاف الإسلامية وجعلها ملحقة بسلطات الاحتلال، مقابل نقل الدور الأمني والإداري إلى جهات إسرائيلية، كانت تتنظر حادثة لفرض تلك المخططات.

وأضاف: "هذه هي المرة الأولى بتاريخ المسجد الأقصى بعد الفتح الإسلامي الذي يتم فيها إغلاق المسجد بقرار من سلطات الاحتلال على خلاف ما جرى عام 1969، حيث أُغلق المسجد في حينها لعدم تمكن المصلين من أداء الصلاة بفعل الحريق، لكن ما جرى يوم الجمعة الماضية سابقة تاريخية، لفرض سياسة الأمر الواقع بوضع البوابات، والكاميرات وإلغاء دور الأوقاف الإسلامية".

وبيّن الرويضي أن الفتوى الدينية التي صدرت عن المرجعيات الدينية الأربعة في المدينة، بعدم جواز الدخول الى المسجد عبر البوابات، تمثل موقف السلطة الفلسطينية والأردن ومنظمة التعاون الإسلامي.

وأشار إلى أنّ منظمة التعاون الإسلامي ستجتمع يوم الاثنين المقبل على مستوى المندوبين، لمناقشة خطورة الإجراءات الإسرائيلية على المسجد الاقصى، بدعوة من دولة فلسطين.

وصرح أمين عام المبادرة الفلسطينية الدكتور مصطفى البرغوثي: "اليوم الجمعة حاسم في تاريخ المسجد الأقصى والشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية، لذلك علينا التحرك جميعًا ضد فرض الإجراءات الإسرائيلية على المسجد، وضد فرض مخططات رئيس الوزراء نبيامين نتنياهو لتويهد المدينة".

ودعا البرغوثي كافة أبناء الشعب الفلسطيني، للتحرك وشد الرحال إلى المسجد الأقصى، وتحويل مختلف المناطق المحتلة إلى مناطق مواجهة سلمية مع الاحتلال.

أستاذ العلوم السياسية في جامعة الأزهر مخيمر أبو سعدة أوضح أن نتنياهو يحاول من خلال إطلاق تصريحات بوجود اتصالات مع دول عربية للتوصل لحل وسط بهذا الشأن إنما يهدف إلى تأجيل اتخاذ قراره بشأن تلك البوابات إلى يوم الأحد المقبل.

واعتبر أن الدفع بتعزيزات عسكرية في ظل الدعوات الفلسطينية للمشاركة في الاحتجاجات الغاضبة يوم الجمعة ومحاولات تأجيل اتخاذ أي قرار يدلل على إمكانية استبعاد تراجع رئيس الوزراء الإسرائيلي عن موقفه.

وأضاف: "الخلافات في المواقف ما بين السياسيين والأمنيين والعسكريين في إسرائيل، والمواقف المتضاربة التي تصدر من كل جهة تدلل بأن إسرائيل لن تذهب باتخاذ قرار ينزع فتيل الأزمة".

ولفت إلى أن نتنياهو يخشى من إمكانية خسارته على المستوى السياسي في حال تراجع عن قراره بشأن البوابات، مشيرًا إلى أنه يتخوف من حسابات المعارضة الإسرائيلية التي تنتظر استغلال مثل هذه الفرصة للاعتراض على سياساته خصوصا بشأن تعامله مع الفلسطينيين.

وأكد أنه في حال استجاب نتنياهو لإزالة البوابات وهو احتمال ضعيف جدًا، فسيكون هدفه من وراء التجاوب مع التحركات العربية من الأردن والسعودية، لمحاولة فتح علاقات تطبيعية مع المملكة في المستقبل القريب.

وحول إمكانية أن تشهد الأراضي الفلسطينية هبة كبيرة، الجمعة، أعرب أبو سعدة عن اعتقاده أنّ تشهد القدس ومحيط المسجد الأقصى احتكاكات أكثر من أي مناطق أخرى، مشيرًا إلى أنّ المواجهات في الضفة ستكون محدودة، وأن الوضع الفلسطيني الحالي لن يقود الفلسطينيين إلى هبة جماهيرية كبيرة.

وتابع: "باعتقادي لن يكون هناك تفاعل شعبي كبير، حتى في ظل انتفاضة السكاكين الأخيرة لم يكن هناك استجابة على مستوى الحدث"، مرجعًا ذلك إلى الوضع الفلسطيني الداخلي، الذي قال إنه غير مهيأ لهبة جديدة وكبيرة.

من جهته، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن "الجمعة" يعتبر يومًا فاصلًا ومهمًا إن لم تتراجع إسرائيل عن قرارها بشأن البوابات الإلكترونية، مرجِّحًا أن يقود تعنت إسرائيل إلى هبة كبيرة جدًا.

ولفت إلى أنه خلال العشرين عامًا الأخيرة، شهدت الأراضي الفلسطينية ثلاث هبات كبيرة جميعها كان عنوانها "القدس والأقصى" بسبب إجراءات الاحتلال فيهما، مشيرًا إلى أن ما يجري حاليًّا قد يدفع المنطقة للانفجار ولذلك تحاول إسرائيل البحث عن حلول وسط.

وأضاف: "إسرائيل بدأت تعيد حساباتها بشأن إجراءاتها بعد أن شهدت وقفة كبيرة من أهالي القدس أمام تغولها ضد الأقصى والمدينة"، لافتًا إلى أنّ إسرائيل فوجئت من التحركات العربية وكانت تعتقد أن تلك الدول ستبقى بحالة صمت في ظل انشغالها بالصراعات المذهبية في المنطقة.

وتابع: "أهل القدس أدركوا سر قوتهم وأنهم يشكلون خطرًا على الأمن الإسرائيلي ويستطيعون تهديده بشكل جدي وحقيقي، ولذلك بإمكانهم كسر هذه الحالة القائمة الآن والانتصار فعليا على الاحتلال وإجراءاته".

وحول الخلافات الإسرائيلية الداخلية بشأن الأوضاع، قال عطالله: "المواقف للسياسيين في إسرائيل مرتبطة بالمصالح الانتخابات واعتمادهم على المتدينين من المستوطنين اليمنيين الذين يشكلون عمودها الفقري، في حين أن أجهزة الأمن كالشاباك يضع نفسه بعيدًا عن هذه القضية وما يهمه أمن إسرائيل ويتحرك من خلال معلومات وتقديرات أمنية ولذلك هو ضد هذه الإجراءات في الأقصى".

وأعرب عن اعتقاده بإمكانية أن تتجه إسرائيل خلال الساعات المقبلة التوصل لحل وسط مع الأردن بالنظر لصلاحيات الواسعة عن ادارة الأقصى.

من جهته، استبعد المحلل السياسي هاني حبيب أن يتراجع الاحتلال عن قراره وأنه قد يتمادى بسياساته رغم كل الضغوط التي يتعرض لها، والتي قال إنها لن تؤتي ثمارها في ظل حالة الصمت العربي والدولي رغم بعض المواقف التي قال إنها خجولة.

وأشار حبيب إلى أنّ هناك أطرافًا عربية ودولية تشجع إسرائيل على المضي قدمًا في هذه الإجراءات، لافتًا إلى أنَّ الأوضاع على الأرض تشير إلى أنّ إسرائيل لن تتراجع عن قرارها بشأن البوابات الإلكترونية.

واعتبر حبيب أن دفع إسرائيل بتعزيزات كبيرة يؤشر إلى مسعاها لإجهاض أي محاولات للغضب، مرجحًا أن ينجح الاحتلال "الجمعة" في إخماد أي محاولات لاقتراب الفلسطينيين من الأقصى ومحيطه لمنع أي احتجاجات أو مواجهات.

وأعرب عن اعتقاده أن تشهد الضفة على نطاق واسع مواجهات في نقاط التماس مع الاحتلال وخاصةً في الأحياء القريبة من القدس.

وبشأن الخلافات الإسرائيلية الداخلية، قال حبيب: "كل جهة تحاول تجيير الوضع وفق رؤيتها ولكن القرار النهائي سياسي يعود لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ولذلك فإن الخلافات لن تغير كثيرًا من الطبيعة العدوانية للسياسة الإسرائيلية".

ورأت صحيفة "هآرتس" العبرية في عددها الصادر أمس الخميس، أن المقدسيين قادرون على حشر إسرائيل في الزاوية، وأنهم قادرون على تحقيق إنجاز غير مسبوق لم ينجح أي طرف فلسطيني أو عربي آخر في تحقيقه، وأن إسرائيل ستتراجع في نهاية المطاف أمام احتجاجات المقدسيين وليس تحت أي ضغوط أخرى.

يأتي ذلك في وقت تشهد فيه إسرائيل حالة من الخلاف في المواقف بشأن وضع البوابات الإلكترونية أمام مداخل المسجد الأقصى، حيث قرر جيش الاحتلال نشر مزيد من القوات العسكرية في القدس ومحيط الأقصى، وكذلك في الضفة الغربية تحسبًا لمواجهات عنيفة في "جمعة الغضب"، في إشارة اعتبرها بعض المحللين الفلسطينيين بأنها ترمز إلى إمكانية تمسك إسرائيل بموقفها إزاء بقاء تلك البوابات.
 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق حزب الله والجيش السوري يطلقان "معركة عرسال"